🎤 محاضرة رقم 2030
نص متوفر
من آداب المفتي والمستفتي
بسم اللهالرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الموضوع موضوع مهم جدًا وهو موضوع الفتوى من حيث حاجة الناس إليها ومن حيث نشر العلم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، والناس بحاجة إليه، والله جل وعلا تولى الفتوى بنفسه، قال جل وعلا (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ) [سورة النساء 176] وقال سبحانه (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) [سورة المائدة 127]، وكذلك تولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الناس يسألونه وهو يفتيهم بما أنزل الله إليه، وكذلك يتولاها بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، العلماء، فإن العلماء ورثة الأنبياء، فهم يتولون الفتوى بعده، بحاجة الناس إلى ذلك، فالفتوى ضرورية للمسلمين. ويجب على الجاهل أن يستفتي، قال تعالى (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [سورة النحل 43]، ويجب على العالم أن يفتي السائل، لئلا يكون كاتمًا للعلم، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، فلا يجوز لمن أعطاه الله العلم وسأله الناس أن يكتم العلم، فيكون من هذا الصنف الذين توعدهم الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز له أن يفتي بغير ما يعلم فإذا سئل عن شيء وليس عنده علم، لأن الإنسان بشر ليس محيطًا بكل شيء فيتوقف، إلى أن يتبين له الجواب الصحيح، بعد التأمل ومراجعة الكتاب والسنة أو مشاورة أهل العلم، فلا يستعجل ويفتي عن كل سؤال وهو لا يعلم جوابه من الكتاب والسنة لأن هذا من القول على الله بغير علم، قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) إلى قوله في آخر الآية (وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). العلم ما حرمه الله أشد التحريم جعله أشد من الشرك، (وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، قال تعالى (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). الذي ليس عنده علم يتوقف حتى يفتح الله. سئل الإمام مالك (رحمه الله) إمام دار الهجرة عن أربعين مسألة جاء بها رجل قادم عليه مسافر إليه يسأله عنها فأجاب عن ست مسائل وقال عن البقية لا أدري، مالك قال لا أدري قال الرجل جئتك من كذا وكذا وتقول لا أدري قال نعم اركب راحلتك وارجه وقل للناس سألت مالكًا وقال لا أدري. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل عن شيء لم ينزل عليه فيه وحي يتوقف، حتى ينزل الوحي، ولهذا قال الله جل وعلا في عدد آيات يستفتونك يستفتونك يستفتونك فيتوقف صلى الله عليه وسلم عن الإجابة حتى ينزل عليه الوحي من الله جل وعلا. وليس في هذا غضاضة على الإنسان أن يقول لا أدري وأن يقول للسائل انتظر أو راجعني يتأمل في المسألة ليس هذا نقص في حقه بل هذا كمال، إنما النقص لو أجاب بغير علم والقول على الله بغير علم. وكذلك لا يفتي السائل بغير الحق وهو يعلم الحق من أجل هوى أو التماس رغبة السائل أو من أجل طمع دنيوي فلا يجيب السائل بغير العلم الصحيح الذي يعلمه، قال سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ). لا يجوز للعالم أن يفتي بغير الحق من أجل إرضاء السائل أو من أجل إرضاء غيره أو من أجل طمع دنيوي يأخذه على فتواه بغير الحق هذا من تبديل أحكام الله سبحانه وتعالى، فالأمر خطير جدًّا. كما أنه يجب على العالم إذا سئل أن يقتصر على موضع السؤال فيجيب السؤال ولا يجيب عن شيء لم يُسأل عنه إلا إذا كان السائل يحتاج إلى هذا، إذا لاحظ على السائل أنه بحاجة إلى زيادة يزيد، لما سئل صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر يجوز التطهر قال نعم هو الطهور ماءه الحل ميتته ، فزاده على سؤاله قال الحل ميتته ، وهو لم يسأل عن الميتة ميتة البحر، لكن لما رأى أنه يجهل أن ماء البحر طهور لما كان يجهل هذا فلأن يخفى عليه حل ميتة البحر وهي السمك من باب أولى فأجابه بزيادة لأنه بحاجة إليها. كذلك يوسف عليه السلام لما دخل السجن ورأى عليه السجناء ملامح الخير وملامح العلم، سألوه عن رؤيا رؤوها (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فلم يبادر بالإجابة حتى دعاهم على التوحيد (قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ) (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ*وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) ثم أجابهم (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) إلى آخره، فلما رآهم بحاجة إلى التوحيد وهم يجهلون العقيدة الصحيحة هم ما سألوه العقيدة ولكن رآهم بحاجة إلى هذا والعقيدة هي الأساس فدعاهم إلى التوحيد أولًا، وبينه لهم , وانه ملة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم أجابهم على سؤالهم. فالعالم إذا رأى من السائل حاجة إلى المزيد على ما سأل عنه فإنه يزيد، أما إذا لم يكن هناك حاجة فإنه يقتصر على موضع السؤال، هذا من آداب المفتي. أما آداب المستفتي فإنه يسأل بتلطف يسأل العالم بتلطف والتماس ولا يسأله بأسلوب لا يناسب العالم بل يدعو له ويسأله برفق ويسأله بتلطف ويختصر السؤال أيضا ما يطول السؤال بل يختصر السؤال، فهذا من آداب المستفتي أن يتأدب مع المفتي بالفعل وبالقول، لأنه جاء محتاجا إلى هذا العالم فلا يليق به أن يترفع عليه أو أن يعنفه بأسلوب لا يناسب، والعالم له حق وله منزل، فيتلطف معه بالأسلوب المناسب، ويسأله برفق وإظهار للحاجة. أما الذي يسأل العلماء لا لحاجة وإنما ليظهر نفسه أو ليظهر للناس عجز هذا العالم تعجيزه أو يسأله بأسلوب ولا يناسب منزلة العالم، فهذا منهي عنه، فعلى السائل أن يتلطف في سؤاله. وكذلك لا يسأل العالم في وقت هو مشغول البال يسأل العالم وهو مشغول البال فليسأله في وقت يكون العالم على استعداد لاستقبال الأسئلة أو السؤال ثم يسأله، لا يسأله وهو غضبان أو يسأله وهو مشغول البال، أو يسأله في وقت ضيق لا يتمكن من إجابته، لا يحرجه وإنما يختار الوقت المناسب. كذلك من آداب المستفتي أن يقتصر على عالم واحد يسأل من يثق بدينه وعلمه ويقتصر على سؤاله وعلى جوابه ولا يذهب على فلان وفلان وفلان مثل ما يفعل بعض الناس، فبعض الناس يسأل العالم فإذا أجابه راح يسأل الثاني راح يسأل الثالث، لأنه إما أنه يريد أن تتضارب أقوال العلماء وينشر هذا في الناس، وإما أنه يريد أن يأتي الجواب على رغبته، فإذا أجابه العالم على غير رغبته راح يسأل غيره لعله راح يسهله ويجد له طريق سهل بزعمه فهذا لا يجوز، إذا أردت أن تسأل فاسأل من تثق بعلمه ودينه واقتصر عليه وعلى جوابه، هذا من آداب المستفتي، كذلك من آداب المستفتي أيضا ألا يسأل من غير حاجة من غير إشكال كما ذكرنا بل يسأل إلى احتاج إلى ذلك، قال تعالى (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). ثم على المفتي أن يفتي لما يراه موافقاً للدليل، موافقاً للكتاب والسنة، ولا يختلف جوابه بهذا عن ذاك وإنما يكون جوابه على موجب الكتاب والسنة، لا يتلمس للناس الرخص، ويفتح لهم الأبواب، وإن كان ذلك مخالفاً للأدلة يأخذ من أقوال العلماء ما يناسب لهوى الناس، بل يأخذ ما يوافق الدليل من الكتاب والسنة، هذا الواجب على المفتي. وكذلك من آداب الفتوى بين السائل والمجيب، أن المسئول ينصح للسائل ينصح له ويفتيه بما يبرأ ذمته، يفتي السائل بما يبرأ ذمة المفتي ويبرأ ذمة السائل، ما يبرأ الذمة لأن السائل في ذمة المسئول، فيختار له ما يبرأ الذمة من الفتوى التي تكون مطابقة للكتاب والسنة، حتى ولو ثقلت على المستفتي أو يرى أنه ما يرى أنها شديدة ويروح يلتمس من هو أسهل له حتى يوافق هواه، فلا العالم يلتمس للمستفتي ما يصلح له ولو كان مخالفاً للدليل ولا المستفتي يأخذ من أقوال أهل العلم ما يوافق هواه ورغبته ولو كان مخالفاً للدليل، نحن مرتبطون بالكتاب والسنة، مكلفون بالعمل بالكتاب والسنة، ولا تبرأ الذمة بأن تسأل أهل الهوى أو من دينهم تسأل من دينهم فيه تساهل هذا ليس من النصيحة، بل تسأل من تثق بعلمه وبدينه وتعمل بفتواه، وهذا تبرأ به الذمة، أما من يسأل فإذا ما وافق الجواب رغبته راح يلتمس فتاوى أخرى توافق رغبته، فهذا متبع لهواه هذا لا يطلب الحق ولكن يطلب ما يوافق لهواه نسأل الله العافية، وهذا هو الواقع الآن في باب الفتاوى التي تكاثرت اتجاهاتها وتكاثرت مصادرها وتكاثر المفتون بغير علم، تكاثر المفتون بغير علم المتخرصون والمتطفلون من خلال الفضائيات ومن خلال البرامج، برامج الإذhref="/ar/node/75" class="nav-link" data-drupal-link-system-path="node/75">مؤلفات الشيخ فوائد للنشر تصاميم مرئيات طلب فتوى اتصل بنا